يا هلا والله استاذى الجليل و معلمى القدير , استاذ @شايب حياكم الله وبياكم
أستاذي الأجلّ، ومعلمي الأكرم، أطال الله بقاءكم على الخير، وأدام عليكم نعمة الفضل، وجعل العلم حيث كنتم أنيسَ مجلسٍ، وزينةَ قولٍ، وبركةَ أثرٍ. لقد وقفتُ على تعليقكم وقوفَ التلميذ بين يدي أستاذه، لا وقوفَ المتلقّي لثناءٍ يُطربه، بل وقوفَ المستفيد من ملاحظةٍ تهديه، وكلمةٍ تقومُ اعوجاج العبارة، وتردّها إلى سواء السبيل. وما كان لكلماتكم أن تقع في النفس إلا موقع القَبول، وهي صادرةٌ عن ذائقةٍ مرهفة، ودُربةٍ طويلة، وخبرةٍ عرفت للشعر موازينه، وللبيان مواضع إحسانه وإساءته.
وإنّي، والله، لأرى تعقيبكم عليَّ من تمام النعمة، لا من باب المجاملة العابرة، لأن الثناء قد يسرّ صاحبه ساعةً، أمّا التوجيه الصادق فيبقى له في النفس أثرٌ، وفي الصنعة نفعٌ، وفي الطريق نورٌ يُهتدى به. وما تعلّمنا من أساتذتنا الأفاضل أن الكلمة تُترك على عِلاتها، ولا أن النص يُمرَّر على هناته، بل عهدناهم يرفقون في التنبيه، ويعدلون في الحكم، ويجمعون بين أدب النصيحة ونُبل المقصد؛ وذلك، بعينه، ما لمستُه في تعليقكم الكريم.
ولقد أحسنتم، يا أستاذي، إذ جعلتم ملاحظتكم في موضعها، وأودعتموها من رفيق العبارة، ولطيف الإشارة، ما يفتح باب الفائدة من غير مشقّة، ويقيم الحجة من غير كلفة، ويُشعر المتلقي أنه بإزاء قلبٍ ناصح، لا لسانٍ متعقب. وتلك سجية الكبار من أهل العلم والأدب؛ إذا لاحظوا لم يجرحوا، وإذا قوّموا لم يفضحوا، وإذا علّموا بثّوا مع العلم مروءةً، ومع البيان رحمةً، ومع النقد إنصافًا.
أما أنا، فما كنتُ يومًا أزعم لنفسي عصمةً من زلل، ولا سلامةً من نقص، وإنما هي محاولاتُ محبٍّ للقول، يمضي على هدى ما وعى، ثم لا يجد أكرم من عين أستاذه تُبصر له ما خفي، وتوقظه على ما فاته، وتدلّه على ما هو أولى وأقوم. فإن كان في النص شيءٌ استحسن، فذاك ـ بعد فضل الله ـ ثمرةُ ما تلقيناه من أمثالكم، وإن كان فيه خللٌ أو قصور، فحسبُ المرء شرفًا أن يجد من يرده برفقٍ إلى الصواب، ويأخذ بيده إلى الأحسن والأتمّ.
وقد زاد تعقيبكم الكريم عودتي بهجةً، لأن عودة المرء لا تُحمد إلا إذا استقبلها أهل الفضل بقبولٍ جميل، ورعايةٍ صادقة، ونظرٍ منصف. والحمد لله الذي جعل في الطريق وجوهًا إذا حضرت اطمأنّ القلب، وإذا تكلّمت أشرقت العبارة، وإذا نبّهت كان في تنبيهها أدبُ المعلّم، ووفاءُ المحب، وهيبةُ العالم.
فلكم مني، يا سيدي، أخلصُ الشكر، وأوفى الامتنان، وأصدقُ الدعاء؛ فلقد كنتم ـ كما عهدناكم ـ أستاذًا لا يقف عطاؤه عند حد التعليم، بل يتجاوزه إلى التهذيب والتقويم والإحسان. أسأل الله أن يبارك في عمركم وعلمكم، وأن يديم في الأدب ظلّكم، وأن يكتب لكم أجر ما تبثّونه من نورٍ في القلوب والعقول. وما أنا إلا تلميذٌ يعرف لأستاذه حقّه، ويوقن أن بعض الفضل مهما قيل فيه لا تحيط به العبارة، ولا توفيه الألفاظ.